أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

428

شرح مقامات الحريري

وأنّ أخاك هو الّذي عذلك ، لا الّذي عذرك ، وصديقك من صدّقك ، لا من صدّقك ، فقال له الحاضرون : أيّها الخلّ الودود ، والخدن المودود ، ما سرّ كلامك الملغز ، وما شرح خطابك الموجز ؟ وما الّذي نبغيه منّا لينجز ، فو الّذي حبانا بمحبّتك ، وجعلنا من صفوة أحبّتك ، ما نألوك نصحا ، ولا ندّخر عنك نضحا ، فقال : جزيتم خيرا ، ووقيتم ضيرا ، فإنّكم ممّن لا يشقى بهم جليس ، ولا يصدر عنهم تلبيس ، ولا يخيّب فيهم مظنون ، ولا يطوى دونهم مكنون ، وسأبثّكم ما حاك في صدري ، وأستفتيكم فيما عيل فيه صبري . * * * عذلك : لامك . صدقك : قال الصدق ، كأنه أراد أن الصديق إنما سمّي صديقا لصدقه لصاحبه ، يريد أنّ أخاك هو الذي يلومك ويقبّح لك سوء فعلك ومن حسّن عذرك في ذلك ، فليس بصديق ولا أخ ، مثل ما حكى الأصمعيّ ، قال : سمعت أعرابيا يقول لأخ له : اعلم أنّ الناصح لك المشفق عليك ، من طالع لك ما وراء العواقب برويّته ونظره ، ومثّل لك الأحوال المخوفة ، وخلط لك الوعر بالسّهل من كلامه ومشورته ، ليكون خوفك كفء رجائك ، وشكرك إزاء النعمة عليك ، وأنّ الغاشّ لهواك والحاطب عليك من مدّ لك في الاغترار ، ووطّأ لك مهاد الظلم ، تابعا لمرضاتك منقادا لهواك ، وقال الشاعر فيمن لا يقبل النصح : [ المتقارب ] إذا ما هديت امرأ مخطئا * أضل السّبيل إلى قصده فلم تلفه سامعا قابلا * فحس له المشي في ضدّه الخلّ : الخليل . الودود : الصاحب الكثير الودّ : الخدن المودود : الصديق لمحبوب . الملغز : المبهم الخفيّ الموجز : المختصر . تبغيه : تطلبه لينجز : ليفعل في الحين . حبانا : اختصّنا صفوة : خيار . نألوك نصحا : نقصّر في نصيحتك ندخر : نرفع ونخبأ نضحا : عطية ندفعها لك ، مأخوذ من النّضح وهو الشرب القليل دون الريّ . والنّضح أيضا : الرشّ بالماء . ووقيتم ضيرا : الضّر يصدر : يرجع . تلبيس : التباس وتخليط . لا يخيّب فيهم مظنون ، أي ما ظن فيهم من النّصح والمعاونة موجودة فيهم غير مفقودة . مكنون : مستور يطوى : يحجب ويستتر . أبثّكم : أنشر لكم وأظهر . حاك في صدري : أثّر فيه واحتكّ به . عيل : غلب وعالني الشيء عولا : غلبني وثقل عليّ . * * * اعلموا أنّي كنت عند صلود الزّند ، وصدود الجدّ ، أخلصت مع اللّه نيّة العقد ، وأعطيته صفقة العهد ، على ألّا أسبأ مداما ، ولا أعاقر ندامى . ولا أحتسي